كتاب: يوميات فقيه حنبلي من القرن الخامس الهجري - تعليقات ابن البناء الحنبلي لحوادث عصره
المؤلف: أبو علي الحسن بن عبدالله بن البناء البغدادي
عدد الصفحات: 317
إلى جانب كتب التّاريخ والتّراجم، تعدّ كتب المذكّرات واليوميّات من الذّخائر المعرفيّة لاستكشاف أحوال المجتمعات وسلوكياتها المختلفة، فضلاً عن فوائد جمّة أخرى في حقول معرفيّة مختلفة.
منذ أيّام طالعتُ يوميّات كتبها ابن البنّاء الحنبليّ (396-471هـ)، والتي كان يدوّن فيها أحداثاً يوميّةً، وجملةً من القضايا التي عاصرها ورآها أو حُكيت له، وهي من أقدم النصوص العربيّة في تدوين اليوميّات، وفي هذه المدوّنة أشياء مختلفة تسترعي الاهتمام، من قبيل العادات الاجتماعيّة، الأحوال المذهبيّة، السلوك الدينيّ، وغير ذلك..
من الأمور التي كان يسردها ابن البنّاء في يوميّاته، توصيف بعض العادات والسلوكيّات الدينيّة، التي يعتبرها بعض المنتسبين للحنبليّة والسّلف بشكل عام بدعاً أو شركيّات، من زيارة القبور، وإهداء الختمات، وإحياء بعض المناسبات الدينيّة -التي اندثر بعضها-، وهي سلوكيّات سادت في أوساط أهل السنّة في ذلك الوقت -في بغداد على الأقل-، حتّى أنّ البنّاء لم يتعقّبها أو يذكرها بنقد، مع كونه مهتمّاً بمسألة النهي عن المنكر، فمن نصوصه في هذا الجانب:
1- قوله (ص165) في زيارته قبر أبي عليّ بن جردة وإهداء ثواب تلاوة القرآن إليه -وهو من الحنابلة-: (وقد كنتُ أزوره أحياناً، فقصدتُه صبيحة يوم السّبت، وأهديتُ له ختمةً كانت معي، وجعلتُ له مع الشيخ الأجلّ ابن يوسف ووالده أبي طاهر نصيباً من القراءة فيما أُهديه إليهم، نفعهم الله بذلك وجميع أموات المسلمين، إن شاء الله).
2- قوله (ص201): (مستهلّ رجب، عرّفنا الله بركته، يوم الأحد. أحيا النّاس في الجوامع، وبكّروا إلى قبر الإمام أبي عبد الله، وحضر الأجلُّ أبو محمّد التّميميّ، ومضيتُ وأولادي للزّيارة، وكان يوماً مشهوداً)، وهو يبيّن في هذا النصّ عمل الحنابلة في ذلك الوقت على إحياء الليلة الأولى من شهر رجب، وزيارة قبر أحمد بن حنبل.
3- قوله (ص208): (ومنع الحاجبُ الزوّارَ أن يُخرِجُوا إلى مصعب، على العادة التي يخرجونها من المطارد والعلامات، وقال: هذه فِتَنٌ، من أراد أن يخرج خِلْواً بغير ذلك فليخرج. ثمّ سألوه الشّيوخ فأمسك وخرجوا، سلّمهم الله).
4- قوله (ص209): (وفي يوم الاثنين، النّصف، مضى النّاسُ إلى الزّيارة، وعاد زوّار مصعب ومعهم المناجيق والأعلام، وبلغني أنّه غرق منهم شابّين، رحمهما الله)، وهذا يبيّن جريان سيرتهم في ذلك الوقت على زيارة قبر مصعب بن الزبير في رَسْمٍ متعارفٍ وهيئة معهودةٍ في ذلك الوقت. والظاهر من بعض كتب التّاريخ أنّ أهل السنّة في بغداد "ابتدعوا" زيارة قبر مصعب بن الزبير مناكفةً لشيعة الكرخ الذين كانوا يمشون إلى قبر الحسين عليه السّلام في النّصف من شعبان، فجعلوها بإزائها مع عصبيّة قبيحة منهم.
5- قوله (ص214): (وفي يوم السّبت، مضيتُ مع السّادةِ إلى زيارة قبر الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه..).
وهناك نصوصٌ أخرى تتعلّق بقضايا عقائديّة وفقهيّة وغيرها، لا تخلو من فائدةٍ -لعلّي أذكر بعضها لاحقاً-، وما ذكرتُه منتخَبٌ موجَزٌ من هذه النصوص. إنّ توثيق ابن البنّاء لبعض السلوكيّات السّائدة في عصره، والتي كانت محلّ رضى وقبول الحنابلة إجمالاً تبيّن أكذوبةً ووهماً تعتاشُ عليه الحركة السّلفيّة المعاصرة، حيث تروّج لفكرة أنّ المذهب السنيّ كبناء دينيّ واجتماعيّ هو شيء محدَّد المعالم وثابت الحدود في مقولاته منذ القرن الأوّل الهجريّ إلى القرن الخامس عشر الهجريّ، لم يتغيّر قيد أنملةٍ، وأنت ترى السّلفية اليوم يكتبون عن تطور العقائد والمذاهب الأخرى، ويتناسون أنفسهم، ويتجاهلون حقيقة التطوّرات الكبيرة التي طرأت على مقولات المذهب السنيّ وسلوكيّاته من حقبةٍ إلى أخرى.
في الواقع، ليس ينقص السّلفية إلا أن تسير في الأرض، وتجوب الآفاق، وتنظر في تاريخ الأمم، لتعرف أنّ ما تروّج له تحت عنوان عريض: «هذه سيرة السّلف الصّالح» ليس إلّا وهماً وكذباً، وأنّ النّظر في تاريخ المقولات المذهبيّة يُظهِر بشكل واضح مقدار التقلّب في الآراء والسّلوك الدينيّ تبعاً لعوامل دينيّة وسياسيّة.